الشيخ محمد حسين الحائري
298
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
لفظه ولو قيل بأن هذه الأمور قسم ثالث خارج عن الشهادة والرواية كان قويا وليس إخبارا ولهذا لا يسمى الأمين المخبر عن فعله لا شاهدا ولا راويا مع قبول قوله وحده هذا مزكى أو ميتة لما في يده وقول الوكيل بعت أو أنا وكيل وهذا ملكي انتهى ملخصا ويظهر مما ذكره أخيرا وجه فرق آخر وهو أن الرواية خبر مقتضاه الالزام بحقه تعالى فيكون الشهادة بمقتضى المقابلة عبارة عن خبر مقتضاه الالزام بحق غيره تعالى لكنه رحمه الله صرف الفرق عن ظاهره ولم يراع التقابل نظرا إلى عدم مساعدة مقامه عليه فوجه كون الاخبار بالمذكورات شهادة بكونها إخبارا بمعين وهو لا يقابل الأول إلا أن يكون قد اعتبر فيه الالزام بحقه تعالى لا على وجه التعيين بقرينة المقابلة فيشكل بعدم جريانه في مثل عدد الركعات والأشواط لتعينها وبالجملة فالذي يتحصل من كلامه أن عموم المخبر عنه وكونه حقا له تعالى من خواص الخبر وكون المخبر عنه خاصا من خواص الشهادات وهذا بظاهره ظاهر الفساد لان الرواية بالمعنى المصطلح إخبار عن خصوص قول المعصوم أو فعله أو تقريره فيلزم خروجها عن عنوان الرواية واندراجها في عنوان الشهادة وأما ما أورد عليه من النقض بإخبار زيد بمجئ ولده فإنه رواية مع أن المخبر عنه خاص فغير وارد إذ لا نسلم كونه رواية بالمعنى المبحوث عنه بدليل أنه لا يكتفي في ثبوته شرعا بإخباره هذا إذا اعتبر العموم والخصوص في نفس المخبر عنه كما هو الظاهر وإن اعتبرا بالنسبة إلى ما يترتب عليه من اللوازم فلا ريب في أن الشهادة يترتب عليها أحكام عامة كعدم جواز تصرف أحد في المال بدون إذن المشهود له وجواز بيعه وصلحه وإجارته عموما إلى غير ذلك ويترتب على الرواية أحكام خاصة متفرعة على ثبوت الاحكام العامة كعدم ثبوت الشفعة في هذا المال الذي لا يقبل القسمة لعموم لا شفعة فيما لا يقسم والأولى في توجيه الفرق بالعموم والخصوص أن يقال الحكم الشرعي الثابت أولا بالخبر إن كان عام المورد فرواية وإن كان خاص المورد فشهادة فيندفع الاشكال بما مر أن الحكم الشرعي الأولي الثابت في الأول خاص وهو كون المال لزيد والاحكام العامة متفرعة عليه وفي الثاني عام والاحكام الخاصة متفرعة عليه ولعل هذا مراد الشهيد وإن قصر كلامه عن بيانه لكن يرد حينئذ على حد الرواية الاخبار المتعلقة بموضوعات خاصة كالخواص وكتوثيقه عليه السلام لمثل زرارة وجرحه لمثل أحمد بن هلال وتحديده للحائر وبيانه خروج الحجر عن البيت وأمثال ذلك وعلى حد الشهادة الاخبار بأن هذه العين وقف عام ولا يجدي ما اعتذر به بعض المعاصرين من أن المصلحة العامة مصلحة خاصة ورد عليه الوقف بالخصوص فهو في الحقيقة متعين من حيث المورد وإن لزمه الشيوع والاستمرار بالتبع في أفراد الموقوف عليه وأشخاصه هذا لفظه وذلك لان الوقف عبارة عن حبس الأصل وتسبيل المنفعة على الموقوف عليهم وخصوصية المورد إنما يتحقق بالنسبة إلى مورد التحبيس دون مورد التسبيل والموقوف عليهم سواء اعتبرت القضية فيهما حقيقية أو خارجية نعم يمكن أن يقال الوقف عبارة عن أمر جعلي وهو فعل خاص وإن كان متعلقه أو أثره عاما لكن ربما يرد مثله في الرواية ومع ذلك يبقى الاشكال بما إذا كانت الشهادة على الأثر الحاصل إلا أن يمنع صحة الاشهاد حينئذ ولا وجه له وأما الشهادة على النسب فلا إشكال فيها على هذا التوجيه لان موردها خاص وإن ترتب عليها أحكام عامة ثم ما ذكره الشهيد من إمكان الفرق بين طهرته ونجسته واضح السقوط لان الأصل فيما علم نجاسته النجاسة كما أن الأصل فيما علم طهارته الطهارة فنسبة الأصل إليهما سواء نعم لو كان الشئ معلوم الطهارة فأخبر بأنه نجسه أو تنجس فطهره بني على طهارته لا من جهة إخباره بل من جهة الأصل وعدم الاعتداد بشئ من الخبرين ثم جعله الحاكم من باب الناقل عن الله تعالى غير سديد بل الحكم إنشاء كما يظهر من الألفاظ المقررة له وقد صرح هو به أيضا في غير المقام ولو ذكر هذا التعليل للفتوى كان أنسب وما ذكره من أن قول الواحد في الهدية والاذن في دخول الدار إنما يقبل لاعتضاده بقرائن علمية إنما يتم إذا لم يكن المخبر كاملا أو لم يكن له يد على الهدية وعلى الدار وإلا فلا إشكال في القبول وقوله وليس إخبارا غير واضح ولعله يريد وأنه ليس إخبارا بالمعنى المصطلح في الأصول أو يريد بالخبر الذي قسمه إلى القسمين الخبر الذي لا يعتضد بدلالة قطعية أو أمارة شرعية كاليد في المثال الذي ذكره وكذا الكلام في قبول قول الأمين والوكيل لان كون المخبر أمينا أو وكيلا أمارة شرعية ولا يخفى ما فيه من التعسف هذا وقوله هذا ملكي لا تعلق له بمسألة الوكيل فالوجه أن يكون عطفا على الوكيل والمراد قول ذي اليد ذلك والتحقيق أن عد الاخبار بتلك الأمور رواية أو شهادة متفرع على ثبوت الاكتفاء بالواحد فيها وعدمه لا أن الاكتفاء بالواحد فيها وعدمه متفرع على كونها رواية أو شهادة كما يظهر من كلام الشهيد إذ لا نص على أن كل رواية يكتفي فيها بالواحد وكل شهادة يعتبر فيها التعدد بل الامر في ذلك مبني على مجرد الاصطلاح كما عرفت والمتبع في موارد الحكم هو الدليل فما دل على قبول خبر الواحد فيه يلحق بالأول وما دل على اعتبار التعدد فيه يلحق بالثاني وأما الفرق بين الوجهين الأخيرين فواضح فإن المدار في الأول منهما على نقل الثقة أفاد الظن أو لم يفده وفي الثاني على حصول الظن حصل من قول الثقة العدل أو من غيره وحيث إن قول الثقة من حيث نفسه يفيد الظن ما لم يعارضه أمارة خارجة صح إطلاق القول بقبول تزكية العدل الواحد إذ المراد قبولها عند تجردها عن المعارض إذا عرفت هذا فالمختار عندي جواز التعويل في تعديل الراوي أو إثبات تحرزه عن الكذب على قول العدل الواحد بل على مطلق الظن سواء استند إلى تزكية العدل أو إلى سائر الامارات الاجتهادية لنا أنه قد ثبت مما حققنا سابقا أن التعويل في أخبار الآحاد على الاخبار الموثوق بصدقها وصحة صدورها ولا ريب أن الظن بعدالة الراوي وتحرزه عن الكذب مما يفيد الوثوق بصدق الرواية فيجب التعويل عليه وأيضا